حيدر حب الله

128

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

الصعوبة ، أمّا لو نزلت في مكّة ، فإنّ اطّلاعه عليها سيكون بالواسطة بالتأكيد ، ولم تثبت بعدُ نظريّة عدالة كلّ الصحابة حتى نقول بأنّ مجهوليّة الناقل لابن عباس لا تضرّ ، ومعه يصعب الأخذ بروايتَي ابن عباس هنا . وهذا كلّه يعني أنّ الشواهد التاريخيّة النقليّة لا تستطيع أن تُقدّم لنا دليلًا حاسماً في مدنيّة السورة أو مكيّتها . وهكذا الحال في أسباب النزول ، فإنّها أيضاً متعارضة ؛ فبعضها يشير إلى النزول في مكّة ، وبعضها يشير إلى نزول أوائل السورة في المدينة فضلًا عن الإرسال في هذه المرويّات . الخطوة الثانية : دراسة متن السورة ، وهذا هو الطريق الأكثر وثوقاً في بعض الموارد ، وعليه اعتمد مثل العلامة الطباطبائي والشيخ الشيرازي كما أسلفنا ، لكن ما ذكروه محلّ نظر ؛ فإنّ أيام الشدّة والعسرة غير خاصّة بمكّة المكرمة ، بل تشمل محطّات بالغة الأهميّة في العصر المدني ، كما فيما حصل مع المسلمين في احُد والأحزاب ، وقد تحدّثت آياتٌ مدنيّة كثيرة عن الضغط والشدّة والمصاعب في حقبات حسّاسة في المدينة ، كما يظهر بمراجعة سورة الأحزاب وسورة آل عمران وغيرهما ، فإطلاق الشدّة غير واضح . والذي نجده أنّ في السورة شواهد على المكيّة وشواهد على المدنيّة ، فقصص الأنبياء الواردة فيها تشبه الفترة المكيّة ، خصوصاً مسألة إثارة عبادة الأوثان والشرك ، إلا أنّ هناك شواهد مدنيّة ، لا تفيد القطع بالمدنيّة ، لكنّها تثيره بوصفه احتمالًا موازياً ، وهي : أ - الحديث عن الجهاد في الآيتين : السادسة ( وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) ، والتاسعة والستين ( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) . لكنّ هذا الشاهد ليس بقويّ جداً ، لما ذكرناه في فقه الجهاد من أنّ كلمة الجهاد أطلقت في السور المكيّة تعبيراً عن مطلق المكابدة والمعاناة في سبيل الله . ب - ما جاء في الآيات موضع الشاهد من الحديث عن النصر الإلهي ، فإنّ هذا اللسان يناسب السور المدنيّة ويشبهها ، وإن جاء الحديث عن النصر معلّقاً على المستقبل .